كتاب: حسن البيان في حكم تخصيص تلاوة القرآن في شهر شعبان

تأليف: أبي الحسن علي العريفي الأثري رفع الله قدره

للتحميل (اضغط على تنزيل في الأسف)

ذكر الدليل على بدعية تخصيص تلاوة القرآن في شهر شعبان ولا يصح اعتقاد هذا التخصيص أن له مزية في هذا الشهر

اعلم رحمك الله: أنه لم تأت السنة باستحباب تخصيص تلاوة القرآن في: «شهر شعبان»، وأن لهذا فضل ومزية عن باقي الشهور؛ فتنبه.

فعن عائشة رضي الله عنهما، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد). وفي رواية: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد).

أخرجه البخاري في «صحيحه» (ص440 ح2697)، ومسلم في «صحيحه» (ص762 ح4492)، و(ص762 ح4493).

قلت: فلا تبتدع أخي القارئ، وتخصص عبادات في هذا الشهر.

ولو كان في تخصيص قراءة القرآن في «شهر شعبان»؛ أي: فضل لبينه النبي r للأمة.

قال تعالى: ]اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا [ [المائدة: 13].

قال الشيخ أحمد بن حجر آل بو طامي / في «البدع في الدين» (ص83): (فما انتقل الرسول r من الدنيا؛ إلا والدين كامل لا حاجة إلى الزيادة). اهـ

وقال الحافظ الذهبي الشافعي / في «جزء في التمسك بالسنن» (ص30): (وديننا بحمد الله تام كامل مرضي، قال تعالى: ]اليوم أكملت لكم دينكم[ [المائدة: 13]…. فإي حاجة بنا بعد هذا إلى البدع في الأعمال والأقوال). اهـ

وقال الحافظ الذهبي الشافعي / في «جزء في التمسك بالسنن» (ص46): (وشرع لنا نبينا كل عبادة تقربنا إلى الله، وعلمنا ما الإيمان، وما التوحيد، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها فإي حاجة بنا إلى البدع في الأقوال والأعمال والأحوال والمحدثات، ففي السنة كفاية وبركة، فيا ليتنا ننهض ببعضها علما وعملا وديانة ومعتقدا). اهـ

قلت: واستحسان أي أمر في الدين، وإن أريد به الخير، لم يبلغ بصاحبه إلا الضلالة، والهلكة، والخسران المبين.

ﭑ ﭑ ﭑ

ذكر الدليل على ضعف ما يستدل به على تخصيص تلاوة القرآن شهر شعبان

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا استهل شعبان أكبوا على المصاحف، وأخذ المسلمون في زكاة أموالهم فقووا بها الضعيف والمسكين على صيام شهر رمضان، ودعا المسلمون مملوكيهم فحطوا عنهم ضرائب شهر رمضان، ودعت الولاة أهل السجون فمن كان عليه حد أقاموا عليه، وإلا خلوا سبيله، حتى إذا نظر المسلمون إلى شهر رمضان اغتسلوا واعتكفوا، وبعث الله عز وجل ملائكة في أول ليلة من شهر رمضان فغلوا فيه أعفار الجن، وفتحت فيه أبواب السماء، وأغلقوا أبواب النار وبسط فيه الرزق للعباد، ورفع فيه العذاب عن أهل القبور فمن صام يوما من شهر رمضان تباعد من النار مسيرة مائة عام، ومن قام ليلة من شهر رمضان كان له مثل أجر ليلة القدر، ومن قام ليلة القدر كانت صلاة ليلته تلك ثلاثة وثمانين سنة وأربعة أشهر يعني عبادة، وكان المسلمون أما النهار فصيام وتسبيح وصدقة وأما الليل فتلاوة الوحي والسجود والقيام).

حديث منكر

أخرجه الشجري في «الأمالي» (ج1 ص346)، وقوام السنة الأصبهاني في «الترغيب والترهيب» (ج2 ص350 ح1754) من طريق أحمد بن سيار المروزي، وإبراهيم بن محمد بن عرق الحمصي، قالا: حدثنا محمد بن مصفى الحمصي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا سيف بن محمد، عن ضرار بن عمرو، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك به.

قلت: وهذا سنده كسراب بقيعة، وله أربع علل:

الأولى: محمد بن المصفى القرشي، وهو له أوهام؛ كما في «تقريب التهذيب» لابن حجر (ص716).

الثانية: سيف بن محمد الثوري، وهو كذاب.

قال عنه ابن حجر: (كذبوه)، وقال أحمد: (هو كذاب يضع الحديث)، وقال يحيى: (كان كذابا خبيثا)، وقال أبو داود: (كذاب)، وقال زكريا الساجي: (يضع الحديث)، وقال النسائي، والدارقطني: (متروك)، وقال أبو حاتم: (ذاهب الحديث).([1])

الثالثة: ضرار بن عمرو الملطي، وهو متروك الحديث.

قال عنه يحيى بن معين: (ليس بشيء فلا يكتب حديثه)، وقال ابن عدي: (منكر الحديث)، وقال الدارقطني: (متروك)، وقال الذهبي: (متروك الحديث)، وقال الدولابي: (فيه نظر)، وقال ابن حبان: (منكر الحديث جدا، أكثر الرواية عن المشاهير بالأشياء المناكير، فلما غلب المناكير في أخباره بطل الاحتجاج بآثاره).([2])

الرابعة: يزيد بن أبان الرقاشي، وهو ضعيف جدا في الحديث.

قال عنه ابن حجر: (زاهد ضعيف)، وقال أبو حاتم: (وفي حديثه ضعف)، وقال النسائي، والحاكم أبو أحمد: (متروك الحديث)، وقال النسائي في موضع آخر: والدارقطني، والبرقاني: (ضعيف)، وقال أحمد: (لا يكتب عنه شيء كان منكر الحديث)، وقال مرة: (ليس ممن يحتج به)، وقال مرة أخرى: (ضعيف)، وقال يحيى: (حديثه ليس بشيء).([3])

قلت: فالخلاصة في ترجمة يزيد الرقاشي أنه ضعيف الحديث مع عبادته، وصلاحه.

قال الحافظ ابن حجر / في «فتح الباري» (ج13 ص310): (حديث أنس من وجه ضعيف وقع لنا بعلو في جزء الفلكي بلفظ كان المسلمون إذا دخل شعبانأكبوا على المصاحف وأخرجوا الزكاة ودعا الولاة أهل السجون الحديث موقوف). اهـ

وقال الحافظ ابن رجب في «لطائف المعارف» (ص135): (ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام، وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن روينا؛ بإسناد ضعيف عن أنس قال: (كان المسلمون إذا دخل شعبان انكبوا على المصاحف فقرؤها وأخرجوا زكاة أموالهم تقوية للضعيف والمسكين على صيام رمضان)، وقال سلمة بن كهيل: (كان يقال شهر شعبان شهر القراء)، وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: (هذا شهر القراء)، وكان عمرو بن قيس الملائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن). اهـ

قلت: وفيه كلامه / نظر لأمرين:

الأمر الأول: تخصيصه للعبادة من غير دليل صحيح.

الأمر الثاني: أن ما ذكره عن سلمة بن كهيل، وعمرو بن قيس الملائي: فلم أقف على إسنادهما، فهما ضعاف.

وفي الختام أقول:

إن الأصل للعبادات في الشرع أنها توقيفية، ولا تؤخذ ولا تثبت بطريق الرأي والاجتهاد، وإنما تؤخذ بما شرعه الشارع؛ فلا تقيد بوقت أو مكان، فافطن لهذا ترشد.

قال الحافظ ابن حجر / في «فتح الباري» (ج2 ص80): (التقرير في العبادة إنما يؤخذ عن توقيف). اهـ

وقال الحافظ ابن حجر / في «فتح الباري» (ج3 ص54): (الأصل في العبادة التوقف). اهـ

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج1 ص137): (إن العبادات مبناها على التوقيف). اهـ

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى» (ج29 ص17): (ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها؛ إلا ما شرعه الله تعالى). اهـ

وقال الإمام ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (ج2 ص275): (الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ شيء منها سببا؛ إلا أن تكون مشروعة؛ فإن العبادات مبناها على التوقيف). اهـ

وقال العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم / في «الفتاوى» (ج6 ص75): (العبادات توقيفية، فما شرعه الله ورسوله مطلقا كان مشروعا كذلك، وما شرعه مؤقتا في زمان، أو مكان توقت، وتقيد بذلك المكان والزمان). اهـ

وقال العلامة الزرقاني في «شرح الموطأ» (ج1 ص526): (الأصل في العبادة التوقيف). اهـ

وقال العلامة عبد الله البسام / في «تيسير العلام شرح عمدة الأحكام» (ص394): (العبادات توقيفية، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله.

ومعنى هذا: أن العبادات لا تكون بالرأي والاستحسان، وإنما تتلقى عن المشرع، وهذه قاعدة عظيمة نافعة). اهـ

وقال العلامة الشوكاني / في «نيل الأوطار» (ج2 ص48): (لا سيما في أمور العبادة، فإنها إنما تؤخذ عن توقيف). اهـ


([1]) انظر: «تقريب التهذيب» لابن حجر (ص332)، و«الضعفاء والمتروكين» لابن الجوزي (ج2 ص35)، و«بحر الدم» لابن عبد الهادي (ص72)، و«ميزان الاعتدال» للذهبي (ج2 ص237)، و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (ج4 ص256).

([2]) انظر: «الضعفاء والمتروكين» لابن الجوزي (ج2 ص61)، و«الضعفاء والمتروكين» للدارقطني (ص253)، و«المغني في الضعفاء» للذهبي (ج1 ص447)، و«ميزان الاعتدال» له (ج2 ص301)، و«ديوان الضعفاء» له أيضا (ص198)، و«المجروحين» لابن حبان (ج1 ص485).

([3]) وانظر: «تهذيب الكمال» للمزي (ج32 ص64)، و«تهذيب التهذيب» لابن حجر (ج11 ص309)، و«تقريب التهذيب» له (ص853)، و«الضعفاء والمتروكين» لابن الجوزي (ج3 ص206 و207)، و«الضعفاء والمتروكين» للنسائي (ص110)، و«الضعفاء الكبير» للعقيلي (ج4 ص373)، و«الضعفاء الصغير» للبخاري (ص141)، و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (ج9 ص308)، و«المغني في الضعفاء» للذهبي (ج2 ص747)، و«تاريخ الإسلام» له (ج3 ص561)، و«ميزان الاعتدال» له أيضا (ج5 ص150)، و«سؤالات أبي عبيد الآجري» للأبي داود السجستاني (ص141)، و«بحر الدم» لابن عبد الهادي (ص175)، و«الكامل» لابن عدي (ج9 ص130)، و«المجروحين» لابن حبان (ج2 ص448).

اترك رد